علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
252
ثمرات الأوراق
ووقفت أندب عرصاتها التي قمحت بالبين فخابت من أهلها الظنون ، وكم داروا بقمحها خيفة من طاحون النار فلم يسلم ، فصدقت المثل بأن القمح يدور ويجيء إلى الطاحون . وتطرّقت بعد ذلك إلى الحدادين وقد نادتهم النار بلسانها من مكان بعيد ، آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ [ الكهف : 96 ] . ولقد كان يوم حريقها يوما عبوسا قمطريرا ، أصبح المسلمون فيه من الخيفة وقد رأوا سلاسل وأغلالا وسعيرا . هذا وكلّما أصليت نار الحريق وشبّت نار الحرب ذكرت ما أشار به مولانا على المملوك من الإقامة بمصر ، فأنشدت من شدّة الكرب : آها لمصر ، وأين مصر ، وكيف لي * بديار مصر مراتعا وملاعبا « 1 » والدهر سلم كيفما حاولته * لا مثل دهري في دمشق محاربا يا مولانا ، لقد لبست دمشق في هذا المأتم السواد ، وطبخت قلوب أهلها كما تقدّم على نارين وسلقوا من الأسنّة بألسنة حداد . ولقد نشفت عيونهم من الحريق واستسقوا فلم ينشقوا رائحة الغادية ، وكم رئي في ذلك اليوم وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً [ الغاشية : 2 - 4 ] . وكم رجل تلا عند لهيب بيته تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [ المسد : 1 ] ، وخرج هاربا وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ . وشكا الناس من شدّة الوهج وهم في الشتاء ، وصاروا من هذا الأمر يتعجّبون ، فقال لهم لسان النار : أتعجبون من الوهج والحريق وأنتم في كانون ! ولعمري لو عاش ابن نباتة ورأى هذه الحال ، وما تمّ على أهل دمشق في كانون ، لترك رثاء ولده عبد الرحيم وقال : يا لهف قلبي على وادي دمشق ويا * حزني عليه ويا شجوي ويا دائي في شهر كانون وافاه الحريق لقد * أحرقت بالنّار يا كانون أحشائي ونظرت بعد ذلك إلى القلعة المحروسة ، وقد قامت قيامة حربها حتى قلنا : أزفت الآزفة ، وستروا بروجها من الطارق بتلك الستائر وهم يتلون : لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ [ النجم : 58 ] . واستجليت عروس الطارقة عند زفّها وقد تجهّزت للحرب وما لها غير الأرواح مهر ، وعقدت على رأسها تلك العصائب وتوشّحت بتلك الطوارق وأدارت على معصمها الأبيض سوار النهر ، وغازلت بحواجب قسيّها فرمت القلوب من عيون
--> ( 1 ) لابن بناتة ، ديوانه : 27 .